كيف نحمي لبنان؟


أصدر “اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان” بالتعاون مع “المفكرة القانونية” و”مبادرة سياسات الغد” و”لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان” و”النادي العلماني في جامعة اليسوعية” و”جمعية روّاد الحقوق” و”المنتدى المدنيّ” البيان الآتي:

يشهد لبنان اليوم أحد أقسى تحدياته كوطن موحّد لجميع اللبنانيات واللبنانيين. ويأتي هذا التحدّي تبعًا لسلسلةٍ من الأزمات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وهي أزمات تفاقمت بفعل اندلاع حرب وحشية مدمّرة وعدوان إسرائيلي يمتدّ عمليًّا بدرجة أو بأخرى منذ 7 أكتوبر 2023، حرب تكاد تقوّض بفعل ما تشهده من جرائم أسس القانون الدولي الإنساني.

وبذلك، تراكمت وتشابكت أزمات الداخل والخارج، بما يضعف مؤسسات الدولة اللبنانية ويهدّد الوحدة الوطنية بشكل كبير.

وأمام هذا التحدّي المُريع، تداعينا كمنظّمات حريصة على وحدة الوطن بما يمثّله بحكم تاريخه وتكوينه، لإصدار هذا البيان الذي يعكس تطلعاتنا من الدولة ويدق ناقوس الخطر إزاء الانزلاق إلى الهاوية.
ومن أهمّ مرتكزات هذه الرؤية، الأمور الآتية:

(1) الحفاظ على السلم الأهلي
أي مجتمع تعدّدي يتعرّض لحرب مدمّرة كالحرب الحاضرة يجد نفسه مهدّدًا في كيانه بدرجة أو بأخرى. وما يفاقم من حجم التهديد أنّ العدوان الإسرائيليّ يستهدفُ بشكل خاصّ أحد مكوّناته الأساسيّة، أي الفئة التي تطالُها إنذارات الإخلاء والتهجير، فيما يُنتظر من الفئات الأخرى أن تتحوّل بالضرورة إلى فئاتٍ مُضيفة. هذا فضلًا عن أنّ التهديد لا يطال المهجرين فقط في الأماكن التي هُجّروا منها بل يرافقهم إلى الأماكن التي لجأوا إليها، مع ما يرشح عنه ذلك من مسعى لأسر اللبنانيّين في هويّات طائفية وزعزعة التضامن الوطني وامتحانه بفعل الرعب.
ومن هنا، تتحمّل الحكومة والقوى الاجتماعية مسؤوليّة كبرى في مواجهة هذا التهديد حفاظًا على وحدة المجتمع والسلم الأهليّ.
إذ لا شيء يحصّن السّلم الأهليّ مثل تعزيز مبدأ الإخاء والتضامن بين اللبنانيّين، وهو الذي يأخذ تجلّيه الأهمّ في ضمان حماية المواطنين أينما كانوا وإعطاء الأولويّة لاحتضان المهجّرين وضمان حقّهم في الكرامة من دون تمييز، وتخصيص الموارد الوطنية اللازمة من أجل ذلك، من دون الاكتفاء بما قد يتوفر من مساعدات وهبات دوليّة.
ولا شيء يهدّد السّلم الأهليّ مثل التّحريض وخطاب الكراهية والعصبية الطائفية. وإذ نرحّب بتحذير الحكومة من خطورة هذه الممارسات، على الهيئات القضائية المختصّة أن تتّخذ الخطوات العملية بحق الوسائل المحرّضة أو التي تبث خطاب كراهية.

(2) التمسّك بالدولة ومؤسّساتها
تشكّل الدولة الإطار الوحيد الضّامن للوحدة الوطنية واستمرارها والأداة الفضلى لتجسيد التضامن الوطني والدفاع عن المجتمع والتعددية والحقوق والحريات رغم كل التحدّيات والانزلاقات. ومن هنا أهميّة الحفاظ عليها في مواجهة أيّ مسعى لتجاوزها أو تقسيمها أو هدمها والعمل على تعزيز مؤسساتها ووظائفها وفق مسار ينتهي إلى تحقيق مجمل وظائف الدولة المرجوة وتكريس سيادتها وأمرتها، إذ أن المسّ بالمؤسّسات أو بمشروعيّتها أو وحدتها (كالتلويح بانقسام الجيش) أو حتى الاستقواء عليها (كتهديد الجيش أو التدخّل السّافر في القضاء أو أيّ من السلطات العامّة)، إنما يشكّل سقوطًا في الفراغ، فراغ تتجاوز الخسارة الناجمة عنه أيّ منفعةٍ آنيّة قد تحقّقها هذه الجهة أو تلك، على المدى البعيد.
في الآن نفسه، يجدر الحرص على حياديّة الدولة ومؤسّساتها تجاه مواطنيها كافّة، فعلًا وظاهرًا، والامتناع عن استخدامها في أيّ مشاريع أو خطط فئوية وانتقائية، من دون أن يستتبع ذلك في حال من الأحوال أيّ تهاون في تطبيق القانون. إذ أنّ المشروع اللبناني بتجاوز الانقسامات يتحقق أوّلًا ببناء مؤسسات محايدة وفاعلة وعادلة يجتمع فيها وعليها المواطنون كافة أيًا كان حجم الطوائف التي ينتمون إليها، بعيدًا عن سياسة التّطييف والاستقطاب.

(3) التمسّك بالقانون الدوليّ ومبادئ السلام العالميّ
يشهد العالم منذ فترةٍ تهديداتٍ جدّية للنظام الذي استمدّ شكله الحالي من أهوال الحرب العالميّة الثانية. وليس أدلّ على ذلك من تمادي إسرائيل في ارتكاب إبادة جماعيّة في غزّة على مرأى ومسمع من العالم بأكمله، وانتهاجِها ارتكاب الجرائم ضدّ الإنسانية والتّهجير العرقيّ واستهداف المدنيين في حروبها المتتالية في لبنان. وقد بلغ وضوح هذا المنحى أقصاه مع اتّخاذ الإدارة الأميركيّة عقوبات في حقّ قضاة المحكمة الجزائيّة الدوليّة، على خلفيّة القرارات المتخذة في حقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وذلك بهدف تحصينه إزاء أيّ محاسبة أو مساءلة. ومؤدّى هذه العقوبات في حال تمدّدها، ليس فقط وقف التحقيقات مع إسرائيل، بل تقويض أحد أهم مكاسب الذكاء البشريّ في بناء السلام العالمي. كما جاء العدوان الأميركيّ والإسرائيليّ على إيران وما استتبعهُ من ردود أفعالٍ منها وتوسيعها للحرب إلى دول ثالثة، ليعمّم خطر تقويض ما تبقى من آمال بالسلام.
ونظرًا إلى خطورة هذا المنحى ومأساويّته وخصوصًا في عالمٍ بات يمتلك أسلحةً قادرة على تدمير العالم بأسره وتهديد الإنسانية وجوديًا، تتحمّل الدول والشعوب مسؤولية أساسيّة في الحفاظ على السلام العالمي والحؤول دون هدر مكتسبات البشرية على مذبح مشاريع الهيمنة. وعليه، من واجب لبنان كما من مصلحته بفعل تعدديّته وتركيبته، بذل جهود مضاعفة في هذا المجال، طالما أنّ من شأن التمسّك بالقانون الإنساني أن يحصّنه ليس فقط خارجيًا ولكن داخليًا أيضًا. وهذا ما يجدر أن يتجلّى في مباشرة الحكومة من دون تأخير الإجراءات اللازمة لإعلان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية المختصّة في محاكمة العدوان وجرائم الحرب الحاصلة على الأرض اللبنانية، وذلك صونًا للبنان وإكرامًا للضحايا وحقّ ذويهم في التقاضي. في الاتجاه نفسه، يجدر أن تبادر السلطات اللبنانية إلى توثيق جرائم الحرب ودعم حق الضحايا في الإنصاف وإقرار نصوص خاصة لمعاقبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. أما أن نهمل هذا الاستحقاق بحجّة أنّه قد يزعج الولايات المتحدة الأميركية، فمؤدّاه الاستسلام والرضوخ الكلي لمنطق القوّة على هامش الخير والشرّ، مما يفاقم من تهديد السلام الدولي والداخلي.

(4) الحياد العسكريّ
أخيرًا، ندرك أنّ من شأن انخراط لبنان في أيّ محور عسكريّ، أن يعرّضه بفعل صغره وتكوينه وانقساماته العمودية وتباعد الخيارات السياسية، إلى ميدان للصراعات الإقليميّة والدوليّة. وإذ يشكل إعلان حياد لبنان العسكري ضرورة لضمان استدامته،
إلّا أنّه من المهم هنا التنبيه إلى أنّ الحياد العسكريّ:
– لا يعني أولًا وأبدًا، الحياد القيمي الأخلاقي بين الجلّاد والضحية، بين المستعمِر والمستعمَر، بين مرتكب الإبادة وضحيتها، كما لا يعني بحالٍ من الأحوال التطبيع أو حتى التكيّف مع مشاريع الهيمنة أو تقويض القانون الإنسانيّ، طالما أنّ من شأن التخلّي عن هذا القانون أن يمحو ما قد تحققه الحيادية العسكرية من مكاسب على صعيد الوحدة الوطنية، فضلًا عن أنه يناقض التزام لبنان كما مجمل دول العالم بالسلام العالمي.

– لا يعني ثانيًا أبدًا التخلّي عن واجب الدولة في ضمان الدفاع عن الشعب والأرض ضدّ أيّ اعتداءٍ خارجيّ، طالما أنّ الحياد لا يعني بحالٍ من الأحوال التخلّي عن السيادة، بل أن مبرّر وجوده هو أصلاً صون السيادة واستدامتها.
ومن هنا، ندعو القوى السياسيّة والاجتماعيّة إلى تغليب الحوار الجدّي في كل حين بعيدًا عن لغة التجريم والتخوين والشيطنة، وصولًا إلى تكريس خيار “الحياد العسكري” مع ما يستوجبُه من حصرٍ للسّلاح في يد الدولة ضمن رؤية وطنيّة جدّية للدفاع عن الأرض والشعب … والسيادة.

الموقّعون:
المفكرة القانونية
مبادرة سياسات الغد
لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان
اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان
النادي العلماني في جامعة اليسوعية
جمعية روّاد الحقوق
المنتدى المدنيّ

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى