دعا المقرّر الدولي الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء موريس تيدبال-بينز الحكومة اللبنانية إلى التحقيق في جميع حالات قتل الصحافيين والعاملين في قطاع الإعلام وإصابتهم، وفق المعايير الدولية المعمول بها.
وذكّر المقرّر في تقريره الموسّع حول زيارته الرسمية إلى لبنان من 29 أيلول حتى 10 تشرين الأوّل 2025، بواجب لبنان القانوني بالتحقيق في جميع انتهاكات الحق في الحياة على أراضيه، معتبرًا أنّه حين تستوفي الوقائع العتبة القانونية المطلوبة، قد يستوجب الأمر التحقيق في هذه الحالات لا بوصفها جرائم قتل داخلية فحسب، بل باعتبارها جرائم حرب محتملة أو جرائم ضدّ الإنسانية حين تندرج ضمن هجوم ممنهج أو واسع النطاق يستهدف المدنيين.
وحثّ المقرّر النيابات العامّة المختصة وقضاة التحقيق على فتح تحقيقات جزائية في أسرع وقت ممكن، وضمان الحفظ الفوري للأدلّة وتجميعها تحت الإشراف القضائي، شاملًا ذلك إدارة مسارح الجريمة وشهادات الشهود والأدلة الرقمية والتوثيق الجنائي وسلسلة الحيازة.
وقال المقرّر إنّ ثمّة مسارات قانونية متعدّدة لتحقيق المساءلة: الملاحقات الداخلية، والإجراءات أمام محاكم دول أجنبية حيث تتوفر ولاية قضائية، والآليات الدولية، مع التشديد على ضرورة أن يرتكز أي مسار على أساس قانوني صريح واستقلالية مؤسسية راسخة ومشاركة فعلية للضحايا وحمايتهم.
حول إشكاليات التوثيق والتحقيق الميداني
أقرّ المقرّر بجهود قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني في توثيق الاعتداءات الإسرائيلية، إلّا أنّه لاحظ أنّ هذا التوثيق يبقى متشعّبًا عبر قنوات مؤسّسية متوازية من دون أن يُفضي منهجيًّا إلى فتح ملفات جزائية موحّدة؛ فمحاضر المعلومات التي تُعدّها قوى الأمن الداخلي بالتنسيق مع النيابة العامة كثيرًا ما تقتصر على تسجيل الوقائع الأساسية – التاريخ والموقع والضحايا وحجم الأضرار – من دون أن تفتح تلقائيًا ملفًا جزائيًا أو تستدعي حفظ الأدلة بصورة منهجية وإتاحتها للعائلات.
وفيما يخص قضايا الصحافيين تحديدًا، تلقّى المقرّر شهادات متطابقة تكشف عن: تأخّر ملحوظ في إجراء التحقيقات، وتشتت الأدلة بين مؤسّسات متعددة، وشُح المعلومات المُقدَّمة للضحايا وذويهم. وسجّل أنّه في قضية الشهيد المصوّر عصام عبدالله وصل الجيش اللبناني إلى الموقع بعد 16 ساعة من الضربة وجمع بعض المواد وغادر بينما تبقّت شظايا في الموقع. وحين طلبت العائلة التقرير التقني أُبلغت بأنه سرّي. كما سجّل أنّ المصابات استُجوبن بعد تأخير بلغ شهرًا في إحدى الحالات، كما استولى الجيش على شظايا استُخرجت من جسم المصوّرة المصابة كريستينا عاصي. وظلّت جميع الطلبات الخطية الموجّهة إلى وزارة العدل والمدعي العام من دون رد، وأفادت عائلات بعض الضحايا بأنّ أيّ جهة رسمية لم تتواصل معها.
واعتبر المقرّر أنّ التأخّر في الاستجواب، وتشعّب الأدلّة المادية، وحاجز السرّية، وانعدام التواصل مع العائلات وغياب المساعدة المنسّقة – كل ذلك يُجسّد كيف تُعيق الاستجابات المنفصلة عن استراتيجية ادعاء واضحة ونهج متمحور حول الضحايا، فعالية التحقيق الجزائي والمساءلة والوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
توصيات إلى الحكومة اللبنانية
تضمّن التقرير تسع توصيات مفصّلة إلى الحكومة اللبنانية هي التالية:
1- توثيق الوفيات وحفظ الأدلة: إرساء مسارات إحالة موحَّدة وواضحة تكفل وصول جميع وثائق التوثيق الصادرة عن الأجهزة الأمنية والعسكرية فورًا إلى النيابات العامّة المختصّة، مع اشتراطات دنيا للأدلة تشمل الحفظ الآمن وسلسلة الحيازة وصون المواد الرقمية. كما ينبغي ضمان دمج مواد الصحافيين والمجتمع المدني، بما فيها الوثائق الجنائية ومصادر المعلومات المفتوحة، في الملفات الجزائية الرسمية وفق قواعد الإثبات المعمول بها.
2- فتح التحقيقات الجزائية تلقائيًا: ضمان أن تُفضي جميع حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة تلقائيًا إلى اتخاذ إجراءات تحقيق جزائية من قِبَل النيابات العامة المختصة، بصرف النظر عن هوية المشتبه به – سواء أكان قوةً أجنبية أم جماعةً مسلحة منظَّمة – وبغضّ النظر عمّا إذا كانت شكوى رسمية قد تقدَّمت أم لا. وحيثما لم تُجمَع الأدلة بعد أو تُدمَج، تُتَّخذ إجراءات عاجلة لحفظها فورًا.
3- المتابعة القضائية والملاحقة الفعّالة: حيثما تدعم الأدلة ذلك، المضيّ قُدُمًا في الملاحقة القضائية أمام المحاكم العادية المختصة مع ضمانات المحاكمة العادلة وسُبل الانتصاف الفعّالة للضحايا وذويهم. واتخاذ تدابير للحدّ من التأخير والعرقلة الإجرائية في قضايا الانتهاكات الجسيمة للحق في الحياة، ولا سيما عبر إصلاح قانون أصول المحاكمات الجزائية بما يُلغي التقادم أو يُعلَّق سريانُه في الجرائم الخطيرة بما فيها القتل.
4- التعاون القضائي الدولي: حين يكون المشتبه بهم خارج نطاق السلطة القضائية اللبنانية، السعي إلى التعاون الدولي عبر مذكرات التوقيف الدولية وطلبات التسليم أو طلبات الملاحقة القضائية من دول أخرى وفق المعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك القضايا المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم الدولية الخطيرة.
5- إنشاء وحدة نيابية متخصّصة: تعيين أو إنشاء وحدة نيابية متخصصة للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة للحق في الحياة الناجمة عن الأعمال العدائية، بما فيها حالات القتل غير المشروع والادعاءات التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة أخرى، مدعومةً بخبرات تحقيقية وجنائية متخصصة.
6- حقوق الضحايا وذويهم: معاملة الناجين وذوي الضحايا بوصفهم أصحاب حقوق لا مجرّد شهود، عبر تمكينهم من المشاركة الفعّالة في الإجراءات، وإطلاعهم في الوقت المناسب – ضمن حدود السرية المشروعة – على الخطوات الإجرائية وتطوراتها، وحمايتهم من الترهيب والانتقام، وتيسير حصولهم على الدعم النفسي الاجتماعي والرعاية الطبية وغيرها من أشكال الانتصاف والجبر. وضمان توفير مسارات آمنة للإبلاغ، لا سيما للنساء والأطفال.
7- إنشاء منظومة الطب الشرعي: إيلاء الأولوية لإرساء منظومة متكاملة للطب الشرعي متوافقة مع بروتوكول مينيسوتا، عبر المضيّ في اعتماد وتنفيذ مشروع القانون المتعلق بتنظيم الطب الشرعي، وتطوير إجراءات تشغيلية موحّدة وبرامج تدريب وإجازة ومنظومة ضمان جودة وإدارة آمنة للبيانات على المستوى الوطني.
8- إصلاح القضاء وتقييد المحاكم العسكرية: اعتماد وتطبيق إصلاحات تُعزز استقلالية القضاء ونزاهته وحياده وفق المعايير الدولية، بما فيها ضمانات التصدّي للتدخّل غير المشروع وأطر تعيين قائمة على الجدارة وشفافة. وتقييد اختصاص المحاكم العسكرية بالجرائم ذات الطابع العسكري البحت التي يرتكبها العسكريون، وضمان أن يُحاكَم المدنيون حصرا أمام المحاكم العادية المختصة.
9- قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ودمج القانون الدولي: تبنّي توصيات اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي ريثما يُصادَق عليه، وتعزيز منظومة المساءلة الوطنية عبر: (أ) تجريم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في التشريع المحلي مع أنماط المسؤولية والعقوبات المتوافقة مع المعايير الدولية؛ و(ب) السعي إلى قنوات التعاون الدولي المتاحة.