في الذكرى السنوية لاستشهاد الصحافي عصام عبدالله، عقد اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان مؤتمرًا بعنوان “صحافيون تحت النار: وقائع وانتهاكات”، عرض خلاله أبرز نتائج تقريرين أعدّهما من زاويتين متكاملتين، الاعتداءات على الصحافيين والصحافيات من جهة، والبيئة المهنية والاقتصادية والمؤسساتية التي يعملون ضمنها من جهة أخرى.
وتحدث في المؤتمر الأمين العام للاتحاد الدولي للصحافيين أنطوني بيلانجي، ورئيسة الاتحاد إلسي مفرّج، والمحامي فاروق المغربي، وعبير عبدالله شقيقة الشهيد عصام عبدالله، التي تلت كلمة العائلة، وبمشاركة عائلات زملاء شهداء وصحافيين وصحافيات وممثلين عن وسائل الإعلام.
شكّل المؤتمر مناسبة لإعادة تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها الصحافيون والصحافيات في لبنان، وعلى الانتهاكات التي تعرّضوا لها أثناء أداء عملهم، ولا سيما في سياق الحرب والتغطيات الميدانية، إضافة إلى ظروف العمل والحماية الاجتماعية والمهنية المتاحة لهم.
ينطلق التقرير الأوّل بعنوان: “كلفة الصحافة في لبنان: الاعتداءات المستهدفة، الانتهاكات والهشاشة البنيوية”، من أنّ سلامة الصحافيين لا يمكن اختزالها بالاعتداء الجسدي المباشر، بل ترتبط كذلك بظروف العمل الهشّة، وضعف التأمين والحماية الاجتماعية، وغياب آليات السلامة الكافية، والضغوط الاقتصادية والنفسية، ومحدودية سبل المساءلة. كما يوثق التقرير حالات قتل وإصابة وتهديد وعرقلة وانتهاكات أخرى، ويتناول، من بين حالات أخرى، استشهاد الصحافي عصام عبدالله، في سياق أوسع يتعلق بالفجوة بين حجم التوثيق وغياب المساءلة الفعلية.
وخلص التقرير إلى أنّ حماية الصحافيين تتطلّب مقاربة متكاملة تشمل السلامة الجسدية، والأمان الاقتصادي، وحقوق العمل، والتأمين والحماية الاجتماعية، والدعم النفسي والاجتماعي، ومسؤولية المؤسسات الإعلامية، والحماية القانونية، وآليات جدية للمحاسبة.
أما التقرير الثاني حول توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والاعتداءات الداخلية أثناء التغطية الإعلامية، فيتناول في جزئين 21 حادثة استهداف واعتداء على صحافيين وصحافيات في لبنان، استنادًا إلى شهادات مباشرة من الضحايا وذويهم ومقاطعتها مع مصادر مفتوحة للتحقق. يوثّق الجزء الأوّل 13 استهدافًا إسرائيليًا شملت استهدافات متكرّرة لطواقم صحافية واضحة الهوية، واغتيالًا متعمّدًا لصحافيين أعلن الجيش الإسرائيلي رسميًا مسؤوليّته عنه، واغتيالًا لم يعلن مسؤوليّته عنه، وتدميرًا لمقر وسيلة إعلامية مرخّصة.
ووجد التقرير استنادًا إلى مجموع الوقائع الموثقة والأنماط المُستخلصة منها، أنّ ثمّة أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنّ الجيش الإسرائيلي ارتكب جرائم حرب، في حق الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في لبنان.
ويتضمّن هذا الجزء توصيات إلى الجهات المعنيّة والمختصّة لمواجهة استمرار إفلات إسرائيل من العقاب عن اعتداءاتها على الصحافيين.
وفي الجزء الثاني يوثق التقرير 8 اعتداءات من قبل أطراف محلّية غير حكومية وحكومية على صحافيين وصحافيات أثناء التغطية الميدانية، تكشف عن منظومة رقابة ميدانية قسرية، وشملت الاحتجاز التعسّفي ومصادرة المعدّات، والاعتداءات الجسدية المرتبطة بمناخ تحريض رقمي. وقد وجد الاتحاد أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنّ هذه الأنماط تُشكّل انتهاكات موثّقة لحرية التعبير والصحافة بموجب القانون اللبناني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وسجّل التقرير قاسمًا مشتركًا بين الحوادث الثماني ألا وهو غياب أي تحقيق رسمي فعّال يصل إلى نتيجة معروفة رغم الإبلاغ في أربع منها، باستثناء حادثة وحيدة، معتبرًا أنّ هذا الإخفاق المتكرر في التحقيق يُرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب ويُشجّع على تكرار الاعتداءات.
بيلانجي
وفي كلمته خلال المؤتمر، شدّد الأمين العام للاتحاد الدولي للصحافيين أنطوني بيلانجي على ضرورة تحقيق العدالة للصحافيين الذين قُتلوا خلال الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم، داعيًا السلطات اللبنانية إلى اتخاذ خطوات أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن مقتل 11 صحافيًا على يد إسرائيل منذ بداية الحرب.
وأكد بيلانجي أنّ “الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين آفة تنخر مهنتنا”، مشيرًا إلى أنّ غياب المحاسبة يعرّض المزيد من الصحافيين للخطر، ويضاعف معاناة عائلات الضحايا. كما شدّد على مسؤولية المؤسسات الإعلامية في توفير التدريب ومعدات الحماية والتأمين وتقييم المخاطر لجميع العاملين فيها، بمن فيهم الصحافيون المستقلون، مؤكدًا استمرار الاتحاد الدولي في توثيق الاعتداءات ودعم الصحافيين وعائلاتهم ومكافحة الإفلات من العقاب.
مفرّج
من جهتها، أكدت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، أنّ ثلاث سنوات مرّت على استشهاد الصحافي عصام عبدالله من دون تحقيق العدالة أو محاسبة المسؤولين، فيما وثّق الاتحاد مقتل 11 صحافيًا وصحافية وإصابة 19 آخرين في استهدافات إسرائيلية مباشرة منذ تشرين الأول 2023.
وانتقدت مفرّج تقاعس الدولة اللبنانية عن ملاحقة هذه الجرائم، مطالبةً بتحقيق دولي مستقل وفتح الطريق أمام المحكمة الجنائية الدولية. كما سلّطت الضوء على الاعتداءات الداخلية بحق الصحافيين، وتقصير المؤسسات الإعلامية في توفير التدريب والتأمين والحماية اللازمة، مشدّدةً على أنّ الصحافيين يواجهون ثلاث جبهات: الاعتداءات الإسرائيلية والإفلات من العقاب، وتقصير الدولة في تحقيق العدالة، وتخلّي المؤسسات الإعلامية عن مسؤولياتها.
وأكدت أنّ الاتحاد يفتح جبهة جديدة لتحصيل حقوق الصحافيين وتعزيز حمايتهم، لأنّ “الصحافي لا يجب أن يكون مشروع شهيد”.
عائلة الشهيد عصام عبدالله
كما كانت لعائلة الشهيد عصام عبدالله كلمة خلال المؤتمر تلتها شقيقته عبير قالت فيها إنّ: “ثلاث سنوات مرّت على مقتله من دون تحقيق العدالة أو محاسبة المسؤولين، رغم التحقيقات الدولية التي أثبتت، مقتله بنيران دبابة إسرائيلية”.
وانتقدت العائلة تقاعس الدولة اللبنانية عن اتخاذ خطوات قضائية ودبلوماسية جدية لملاحقة المسؤولين، معتبرة أنها تُركت وحدها في معركة المطالبة بالعدالة.
وطالبت الحكومة اللبنانية بالكشف عن الإجراءات التي اتخذتها منذ 13 تشرين الأول 2023، وفتح السبل القانونية المتاحة للوصول إلى المحاكم الدولية، مؤكدة أنّ “مسؤولية الدولة إنها تلاحق قتلة عصام”، وأنّها لن تتخلى عن حقه في العدالة والمحاسبة.
ويأتي المؤتمر في الذكرى السنوية لاستشهاد عصام عبدالله تأكيدًا بأنّ العدالة للصحافيين الذين قُتلوا أو استُهدفوا خلال عملهم، ووضع حد للإفلات من العقاب، يبقيان جزءًا أساسيًا من أي مسار جدّي لحماية الصحافة وحرية الإعلام في لبنان.
للاطلاع على التقريرين:
خاص: توثيق الاعتداءات على الصحافيين والصحافيات في لبنان: الاعتداءات الإسرائيلية والاعتداءات الداخلية أثناء التغطية الإعلامية
https://ujleb.com/8570/
خاص: كلفة الصحافة في لبنان: الاعتداءات المستهدفة، الانتهاكات والهشاشة البنيوية
https://ujleb.com/8596/