عقد “اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان” الإثنين 16 شباط 2026، لقاء حواريًا لمناقشة اقتراح قانون الإعلام المحال أخيرًا من لجنة الإدارة والعدل إلى الهيئة العامة لمجلس النوّاب وذلك في مكتبة المجلس النيابي. حضر اللقاء 15 نائبًا ونائبة من كتل متفرقة شاركوا أو لم يشاركوا في صياغة القانون ومناقشته، ومنظمات محلية ودولية قدّمت قراءتها وملاحظاتها للاقتراح وصحافيون وصحافيات من وسائل إعلام مختلفة.
تناول المتحدثون والمشاركون في الحوار مسار الاقتراح الذي بدأ في العام 2010 والإصلاحات التي يطرحها وأهمّية إقراره في الفترة الراهنة. كما توقف المشاركون عند أهمية تعديل بعض المواد الأساسية التي تمسّ بجوهره ليكون القانون أكثر تلبية للمعايير الدولية وضمانة فعلية لحرية التعبير. والمواد هي بشكل خاص المادتان 106 و113. المادة 106 تنصّ على إمكانية انعقاد اختصاص القانون الجزائي إذا أثبت المدّعي أنّ خلفية النشر تستند إلى مضمون كاذب أو تشهيري. أما المادة 113 فترتبط بإلغاء بعض جرائم القدح والذم وقد أبقت على مواد من قانون العقوبات تتّصل بجرائم قدح وذم واقعة على السلطة العامة والرئيس الأجنبي، ما يمكن أن يفتح الباب أمام استمرار ملاحقة الصحافيين عند انتقادهم لمسؤولين.
استُهِلّ اللقاء بتقديم من الصحافية حليمة طبيعة التي أدارت اللقاء تبعتها كلمة رئيسة الاتحاد إلسي مفرّج، ثمّ النوّاب جورج عقيص، وحليمة القعقور وبلال عبدالله تلتها مداخلة لوزير الإعلام السابق زياد مكاري الذي كان أطلق ورشة إصلاح قانون الإعلام في لبنان خلال تولّيه وزارة الإعلام بدعم من منظمة اليونيسكو، وأخيرًا مداخلة للنائب غسان مخيبر بصفته مقدّم الاقتراح ورافقه في جميع مراحل التحضير له. وتلا المداخلات حوار بين النوّاب وزملاء وزميلات صحافيين، لتبادل الآراء ومناقشة الإصلاحات المقترحة على القانون وأهدافها.














حليمة طبيعة: خطوة نحو تحديث الإطار القانوني للإعلام
الصحافية حليمة طبيعة لفتت في مداخلتها الافتتاحية إلى أنّه خلال السنوات الـ 15 التي مرّت منذ تقديم النائب غسان مخيبر ومؤسسة “مهارات” لاقتراح قانون الإعلام “تغيّر المشهد الإعلامي بشكل جذري، الإعلام الرقمي تطوّر توسّعت المنصات الإلكترونية وتبدّلت طبيعة المهنة نفسها وبقينا أسرى نصوص قديمة لم تعد تواكب الواقع والتحديات الجديدة ولا حتى تحمي الصحافيين”. وأسِفت لأنّ كل النقاشات في اللجان لم تفض رغم مرور كل هذه السنوات إلى “إقرار قانون عصري ينظّم قطاع الإعلام ويحمي الصحافيين ويحصّن حرية الرأي والتعبير”. ودعت إلى الإسراع في البت في الاقتراح الذي أكّدت أنّه لا يدّعي “الكمال لكنه يتضمّن عناصر إصلاحية أساسية طال انتظارها، حيث يكرّس مبدأ حرية الإعلام صراحة ويوسّع تعريف الإعلامي، كما يلغي الترخيص المسبق للمطبوعات والمواقع الإلكترونية مكتفيًا بنظام العلم والخبر ويعزز الشفافية عبر إلزام وسائل الإعلام بالتصريح عن ملكيّتها ومصادر تمويلها ويضع ضوابط لمنع الاحتكار وتركيز الملكية بما يحمي التعددية”. ورأت أنّ الأهم أنّه “يحيل الجزء الأكبر من جرائم المطبوعات إلى محكمة مدنية تعتمد الأصول الموجزة ويجرّم خطاب الكراهية”. واعتبرت أنّ إقرار هذا القانون هو خطوة نحو تحديث الإطار القانوني للإعلام بما يوازن بين الحرّية والمسؤولية ويؤمّن حماية فعلية للصحافيين ووسائل الإعلام من التعسّف والضغوط.
إلسي مفرّج: الطموح هو أن يشمل القانون إلغاء تجريم الرأي
رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات إلسي مفرّج اعتبرت أنّ “القانون بالصيغة الحالية، أمّن التوازن ما بين حرية العمل الإعلامي وحرية التعبير عبر إلغاء معظم المواد الجرمية المتعلقة بالتعبير من جهة، وحماية كرامة الأشخاص عبر الإجراءات القضائية المدنية الموجزة والتعويض المعنوي والمادي من جهة، كما وحماية المجتمع من جرائم نشر الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والتمييز من جهة أخرى. كما يؤمن القانون التوازن ما بين استقلالية إدارة وإنشاء المؤسسات الإعلامية وشفافية مصادر تمويلها”.
لكنها أكّدت على أن طموح الصحافيين أكبر من ذلك وهو أن “يشمل القانون إلغاء تجريم الرأي وكافة وسائل التعبير ما خلا طبعًا جرائم نشر الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية. وتضييق نطاق موانع النشر لحصره بما يمسّ بحقوق الناس فقط وليس ما يتعلق بمداولات السلطات العامّة لأنّ الشعب هو مصدر كل هذه السلطات ومن حقّه أن يعرف كل ما يجري في كواليسها بكل شفافية”.
جورج عقيص: التعويل على القضاء لتعريف خطاب الكراهية
النائب جورج عقيص رئيس اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل، والمكلّفة مناقشة قانون الإعلام اعتبر أنّ أهم ما في القانون هو “نقله عبء التجريم، من النص المعتمد حاليًا الذي يجرّم تعبيرًا معيّنًا عن الرأي ولا يجرّم كل المخالفات التي تتناول الفناء الإعلامي، إلى هذا القانون الذي لا يجرّم التعبير، بل يتعامل مع إساءة استخدامه كشبه جرم أو جرم مدني أي خطأ وضرر ينتج عنه تعويض، ويدخل منظومة عقابية لما يخالف الشفافية وملكية الوسائل الإعلامية”.
ولفت إلى أنّ النص المطروح ينصّ على “استبدال محكمة المطبوعات وهي محكمة استثنائية لها اختصاص يشمل مساحة الوطن، ينصّ القانون على محاكم ابتدائية في كل محافظة تتمتّع بإجراءات موجزة تعتمد الأصول المتّبعة أمام قضاء العجلة للنظر في قضايا التعبير عن الرأي مثل اختلاق الأخبار أو التضليل أو التزوير والفبركة”.
وقال عقيص إنّ جرم التحريض على خطاب الكراهية الذي ينصّ عليه القانون، قد يكون حمّال أوجه لذلك فإنّ التعويل هو على القضاء المستقلّ ليضع الاجتهاد اللازم لرسم الحد الفاصل لتعريف ما هو التحريض خطاب الكراهية من عدمه.
حليمة القعقور: الهدف هو الوصول إلى إعلام حر ومستقلّ ومتعدّد
النائبة حليمة القعقور لفتت بشكل خاص إلى أنّ أحد أهداف سنّ قانون جديد للإعلام هو الوصول إلى إعلام حر ومستقل ومتعدد، معتبرة أنّ “عدم تجريم حرّية التعبير لا يكفي لحمايتها، بل من الضروري ضمان شفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها ومنع احتكار وسائل الإعلام”.
وتابعت أنّ “ملكية وسائل الإعلام ليست مستقلّة عن السياسة إذ أنّ معظم وسائل الإعلام في لبنان خاضعة لأحزاب سياسية ولأفراد من عائلات سياسية، وهو ما يمسّ بدورها كمراقب لأداء السلطة لأنها ستكون كمن يراقب نفسه ويمسّ باستقلاليّتها وبالتالي بحرّيتها”.
ولا يقلّ التمويل أهمّية برأي القعقور إذ أنّ “المموّل أيضًا قد يتحكّم بسردّية الوسيلة الإعلامية”، لافتة إلى أنّ “القانون الذي لا يزال معتمدًا اليوم تغيب فيه الشفافية بخصوص الإعلان عن مصادر التمويل إذ ينصّ على أن تبلّغ وزارة الإعلام بمصادر التمويل ولكن لا يتم إعلان ذلك للعموم. أما القانون الحالي وتحديدًا المادة 18 فتنص على أن ترسل هذه المعلومات إلزاميًا إلى الهيئة الوطنية للإعلام والمادة 19 تنص على أنْ تتأكد الهيئة من المعلومات قبل نشرها عبر مدقق حساب فيها قبل أن تتيح المعلومات للجمهور”.
بلال عبد الله: مسؤولية على الإعلاميين لحماية القانون
النائب بلال عبد الله عضو اللجنة الفرعية، اعتبر أنّ على “الإعلاميين مسؤولية حماية القانون بعد إقراره، من خلال حسن الممارسة، والالتزام بمدوّنة السلوك التي للأسف تخرق سواء بالتمويل سواء بالسياسة سواء بالارتهان، الإعلاميون يجب أن يكونوا رسلًا في هذا الملف في الموازنة بين الحرية والمسؤولية”.
وتوقف عند دور الهيئة الوطنية للإعلام، وهي هيئة مستقلّة تعتبر بمثابة هيئة ناظمة للإعلام خاضعة لنظامها الخاص تضمّ عشرة أعضاء ينتخبون مباشرة من قطاعاتهم، وتتخذ قراراتها بشكل مستقل بالكامل.
وأوضح عبدالله بدوره أنّ صلاحيات الهيئة هي صوغ مدوّنات السلوك بالشراكة مع وسائل الإعلام والإحالة على القضاء المختص في حال حصول مخالفات.
زياد مكاري: للإسراع في إقرار القانون
الوزير السابق زياد مكاري استعاد المراحل التي مرّ بها القانون منذ رأى ضرورة وجود قانون إعلام جديد يشبه لبنان واللبنانيين، وطلبه من اليونسكو دعمًا تقنيًا وتلبيتها طلبه بإرسال الخبير في قوانين الإعلام الكندي توبي مانديل إلى لبنان مرورًا بوضع القانون الموجود حينها على موقع الوزارة والطلب من المهتمّين إبداء الرأي وصولًا إلى الأخذ بجميع الملاحظات والتمنيات والأحلام ومناقشتها وأخيرًا الخروج بنسخة شبه نهائية لقانون إعلام شكّل نقلة نوعية من القانون القديم.
ودعا إلى الإسراع في إقرار اقتراح القانون الذي برأيه يلبّي معظم طموحات الجسم الإعلامي، معتبرًا أنّ التأخير يعني أنّ النسخة الحالية ستحتاج إلى تجديد.
غسان مخيبر: لضرورة متابعة القانون وإلّا سقط
النائب السابق غسان مخيبر، الذي يعتبر الأب الروحي لاقتراح القانون، قال ردًا على سؤال عن سبب تبنّيه لمساعي إقرار قانون إعلام جديد، إنّ “قانون الإعلام هو أهم القوانين التي يمكن أن يقرّها المجلس النيابي لأنّه يُعنى بحرّية أساسية وهي حرّية الإعلام والحق في الوصول إلى المعلومات والذي هو حق يعني الناس قبل الصحافيين، ولكون الانتهاكات لهذه الحقوق كبيرة”.
وأضاف بأنّ “القانون خلال السنوات الماضية تنقّل في اللجان وللأسف كان يشوّه كلّما نوقش في لجنة، في ظلّ تواطؤ من أهل البيت من نقابات وجهات إعلامية ليس لديها مصلحة في الكثير من الأحكام الواردة فيه وإلى حد كبير لامبالاة من الإعلاميين والإعلام”.
إلّا أنّه أكّد أن النسخة الحالية بفضل تضافر جهود المعنيين “أفضل من النص الذي تقدّمنا فيه في العام 2010، ولكن ينقصه نص ينظّم المهنة الإعلامية”، لافتًا أيضًا إلى ضرورة استكماله بمدوّنة سلوك بعد تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام.
وشدّد مخيبر على أنّه من الضروري اليوم إعطاء الأهمية اللازمة للقانون ومتابعته وإلّا سقط مجددًا أو شوّهت أحكامه، خصوصًا أنّ الإصلاحات التي يتضمّنها لا تناسب العديد من الجهات الرسمية وبعض مالكي وسائل الإعلام والأحزاب والعائلات وحتى بعض النقابات، وكل من يعتبر أنّ الرأي يجب أن يبقى تحت رقابة ما.