تحقيقات حقوقية وصحافية توثّق اغتيال إسرائيل للصحافية آمال خليل واتحاد الصحافيين يعلن بدء التشاور لفتح مسارات قضائية محلية لملاحقة جرائم استهداف الصحافيين

عقد اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، والمفكرة القانونية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، اليوم الخميس، مؤتمرًا صحافيًا بعنوان: “اغتيال إسرائيل للصحافية آمال خليل: أدلة على جريمة حرب”، عرضت خلاله المنظمات نتائج تحقيقاتها في الهجمات الإسرائيلية التي وقعت في بلدة الطيري الجنوبية في 22 نيسان 2026، وأدت إلى مقتل الصحافية في جريدة “الأخبار” آمال خليل وإصابة المصوّرة الصحافية زينب فرج بجروح خطيرة.

وخلصت التحقيقات، استنادًا إلى شهادات ناجين وشهود ومسعفين، ومواد مصوّرة وسجلات اتصالات وطلبات تنسيق لإخلاء الجرحى، إلى وجود أدلّة تشير إلى أنّ الجيش الإسرائيلي تعمّد قتل آمال خليل، وأنّه كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، بوجود مدنيتين في الموقع، قبل أن ينفّذ ضربتين إضافيتين استهدفتا سيارة الصحافيتين والمبنى الذي لجأتا إليه. وأكدت المنظمات أنّ هذه الوقائع قد ترقى إلى هجوم مباشر على مدنيين، وبالتالي يجب التحقيق فيها بوصفها جريمة حرب. ووجد تحقيق المفكّرة القانونية أدلة كافية تؤشر إلى قتل الجيش الإسرائيلي آمال عمدًا مع علمه بصفتها المدنية والصحافية.

واستهلّ المؤتمر بتحيّة للصحافيين الشهداء الذين قتلتهم إسرائيل في لبنان وفلسطين والمنطقة، وبتحيّة لزينب فرج الشاهدة الوحيدة على الجريمة التي حضرت المؤتمر إلى جانب أفراد من عائلة آمال بينهم شقيقها علي الذي كانت له كلمة مؤثرة. وكان للمصوّرة الصحافية كريستينا عاصي أيضًا كلمة في المؤتمر وهي واحدة من المصابين في استهداف الصحافيين في 13 تشرين الأوّل 2023 الذي استشهد فيه المصوّر الصحافي عصام عبد الله.

منظمة العفو الدولية: الهجمات استهدفت مدنيّتين تحاولان الاحتماء في مبنى
عرضت سحر مندور، الباحثة المختصّة بالشأن اللبناني في منظمة العفو الدولية، أبرز ما توصّل إليه تحقيق المنظمة، مشيرة إلى أنّ الضربة الأولى كانت قد قتلت الرجلين اللذين رافقا آمال وزينب وأعلن الجيش الإسرائيلي أنهما المستهدفان، فيما واصلت مسيّرتان التحليق على علو منخفض فوق الموقع ومراقبته.
وأضافت أنّ استمرار الهجوم، من خلال تنفيذ ضربة ثانية على سيارة الصحافيّتين ثم ضربة ثالثة على المبنى الذي احتمتا داخله، يدلّ على أنّ الجيش الإسرائيلي كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم، بوجود امرأتين مدنيّتين في الموقع.

وأكدت مندور أنّ تصنيف إسرائيل المنطقة من طرف واحد منطقة “عدم عودة” لا ينزع الصفة المدنية عن الموجودين فيها، ولا يسمح بالتعامل معها باعتبارها منطقة رماية حرّة. وشدّدت على أنّ القانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب استهدافهم، وعلى افتراض الصفة المدنية في حال وجود أي شك.

وقالت إنّ العدالة ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام قانوني تجاه الضحايا وعائلاتهم، وإنّ التحقيق في جرائم الحرب لا يهدف فقط إلى محاسبة المسؤولين عنها، بل أيضًا إلى منع تكرارها ووضع حد لاستسهال ارتكابها في ظل الإفلات المستمر من العقاب.

هيومن رايتس ووتش: الجيش الإسرائيلي كان يعلم أو ينبغي له أن يعلم بوجود الصحافيتين
من جهته، عرض رمزي قيس، باحث لبنان في هيومن رايتس ووتش، نتائج التحقيق الذي أجرته المنظمة، مشيرًا إلى أنّ الأدلة المصوّرة وإفادات الشهود وسجلّات الاتصالات وطلب إزالة التضارب (deconflict) الذي قدمه الصليب الأحمر اللبناني عبر اليونيفيل، تؤكّد أنّ الجيش الإسرائيلي كان يعلم، أو ينبغي له أن يعلم، أنّ آمال خليل وزينب فرج مدنيّتان.

وأكّد قيس أنّ الهجمات التي وقعت في الطيري تضمّنت هجمات متعمّدة مفترضة على مدنيين وأعيان مدنية، بما يجعلها جرائم حرب تستوجب التحقيق والمساءلة.

وقال إنّ الوقائع والأدلة تناقض ادّعاءات الجيش الإسرائيلي بأنّه لا يستهدف الصحافيين، معتبرًا أنّ مقتل آمال خليل وإصابة زينب فرج يأتيان ضمن سلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت صحافيين، في ظل غياب أي خوف من العواقب أو المحاسبة.

المفكرة القانونية: ثلاثة عناصر تثبت الطابع العمدي للاستهداف
وعرضت إيناس شري، الصحافية في المفكرة القانونية، منهجية التحقيق الذي أعدّته والذي أعاد بناء الساعات الاثنتي عشرة الأخيرة من يوم استهداف آمال خليل، بدءًا من رحلتها الصحافية من صيدا، مرورًا بقانا وعين بعال وتبنين، وصولاً إلى بلدة الطيري.

وأوضحت أن التحقيق استند إلى المواد المنشورة في وسائل الإعلام والمصادر المفتوحة، وإلى مواد غير منشورة وشهادات أشخاص كانوا على الأرض أو على تواصل مع خليل، إضافة إلى شهادة زينب فرج.
وقالت شرّي إنّ المفكرة القانونية توصلت إلى توصيف مقتل آمال خليل باعتباره اغتيالًا، مستندة إلى ثلاثة عناصر أساسية تثبت الطابع العمدي للاستهداف: استهداف المبنى الذي لجأت إليه الصحافيتان، وعلم الجيش الإسرائيلي بصفتهما المدنية والصحافية، وعرقلة وصول فرق الإنقاذ.

وأشارت إلى أنّ الجيش الإسرائيلي كان قد أُبلغ رسميًا بوجود صحافيتين في الموقع عبر طلبات التنسيق مع اليونيفيل وآلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم)، قبل استهداف السيارة والمبنى. كما كانت وسائل الإعلام قد نشرت معلومات عن وجود صحافيتين في المكان، فيما سبق أن تعرّضت آمال خليل لتهديدات وتحريض بسبب عملها الصحافي وتغطيتها للأحداث في الجنوب.

وشدّدت شرّي على أنّ توثيق مقتل آمال خليل لا يقتصر على تثبيت الوقائع والسعي إلى المحاسبة، بل يهدف أيضًا إلى مواجهة السردية الإسرائيلية وحفظ حق الضحايا المعنوي، والتأكيد أنّهم ليسوا مجرّد أرقام.
ودعت كل من يملك صورًا أو مقاطع مصورة أو معلومات قد تساهم في استكمال توثيق الجريمة إلى مشاركتها مع المفكرة القانونية، مؤكدة أنّ التوثيق عملية مستمرة وجماعية.

الاتحاد يباشر التشاور لرفع دعاوى أمام القضاء اللبناني
من جهتها، أكدت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، أنّ الوقائع التي عرضتها التحقيقات تشير إلى أنّ الهدف كان قتل آمال خليل ومنع إنقاذ حياتها.

وأوضحت أنّ استهداف خليل جاء بعد تهديدات إسرائيلية مرتبطة بعملها وتغطيتها الصحافية في الجنوب، معتبرة أنّ الهدف لم يكن إسكاتها وحدها، بل ترهيب الصحافيين والصحافيات، ووقف توثيق الجرائم، وحرمان الرأي العام من حقه في الوصول إلى المعلومات.

وأعلنت مفرّج أنّ الاتحاد سيباشر التشاور مع أهالي الضحايا والصحافيين الشهود والناجين من الاستهدافات، بهدف رفع دعاوى جزائية فردية أمام القضاء اللبناني، والدفع نحو فتح تحقيقات قضائية محلية في جرائم الحرب والهجمات التي طالت الصحافيين والصحافيات.

وأكّدت أنّ هذه الخطوات لا تقتصر على ملاحقة المسؤولين عن استهداف الصحافيين، بل تأتي ضمن مواجهة أوسع لنظام الإفلات من العقاب في لبنان، الذي يعطّل القضاء ومسارات العدالة ويترك الضحايا وعائلاتهم يواجهون مصيرهم وحدهم.

كما جدّدت مطالبة الاتحاد الدولة اللبنانية بالاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية، مشيرة إلى أنّ المادة 13 من الاتفاق الإطاري تكشف الرفض الرسمي لفتح مسارات قانونية دولية جدّية لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي.

كريستينا عاصي:ما مبرّر الحكومة اللبنانية للتخلّي عن حقنا؟
وأسفت كريستينا عاصي التي لا تزال تعالج من إصابتها، لأنّنا “بعد ثلاث سنوات، نتحدث عن القضية نفسها ونطالب بالعدالة من جديد. لكن الدولة اللبنانية تخلّت عن حقنا، سواء في ظل الحكومة السابقة أو الحالية، ولم يعد لدي أي أمل في الوصول إلى أي شكل من أشكال العدالة”.

وأضافت: “صحيح أنّ إسرائيل ارتكبت هذه الجرائم بحقنا، وكان هدفها واضحًا: قتل الصحافيين، وإسكاتهم، وحجب الحقيقة. لكن ما هدف الحكومة اللبنانية مما تقوم به؟ وما مبرر تخليها عن حقنا، وقبولها بالبند 13، ثم مطالبتنا بأن نثق بحسن نيّة من قتلنا؟”
لكنها أملت أن “يقود هذا التوثيق، يومًا ما، إلى نتيجة وعدالة حقيقية”.

شقيق آمال، علي خليل: قضيّة لبنانية ودولية
وأكّد شقيق آمال، علي، إنّ مقتلها “لم يكن نتيجة أضرار جانبية، بل جريمة حرب مكتملة الأوصاف والأدلة”، مشددًا على أنّ قضيّتها لم تعد قضية عائلتها أو زملائها وحدهم، بل أصبحت قضية لبنانية ودولية.
وقال إنّ عشية استهداف آمال “كانت تُعقد جولة مفاوضات مع العدو، إلّا أنّ الوفد اللبناني لم يطالب بمحاسبته على جريمته أمام الراعي الأميركي. ثم عادت السلطة، في الجولات التالية، لتُسقط حقّنا في مقاضاة العدو، كما ورد في الاتفاق الإطاري”.

وحمّل الدولة مسؤولية متابعة القضية عبر الأطر الرسمية، محليًا ودوليًا، ورئيس الجمهورية بإيلائها الأولوية والأهمية القصوى.

العدالة شرط لمنع تكرار الجرائم
وأكّدت المنظمات الأربعة أنّ كشف حقيقة اغتيال آمال خليل يشكل مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة، ووضع حدّ للإفلات من العقاب الذي أتاح تكرار الهجمات الإسرائيلية على الصحافيين والصحافيات والمدنيين في لبنان.

ودعت إلى فتح تحقيقات قضائية محلية مستقلة وفعّالة، وحفظ الأدلة المتعلقة بالهجوم، ومحاسبة المسؤولين عنه، إضافة إلى منح المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص اللازم للنظر في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية.

وشدّدت على أنّ حماية الصحافيين لا تتحقق من خلال البيانات والإدانات وحدها، بل من خلال إجراءات قضائية واضحة تضمّن المساءلة، وتحفظ حقوق الضحايا وعائلاتهم، وتمنع تكرار الجرائم بحق العاملين والعاملات في المجال الإعلامي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى